بسم الله الرحمن الرحيم

إنه لمن دواعى سرورى وأسباب غبطتى أن أقف بينكم اليوم متحدثاً فى مناسبة عظيمة علينا جميعاً نحن أبناء جامعة المنصورة، لكى نحتفل بعيد العلم وتكريم العلماء من أبناء جامعتنا العريقة الذين ضربوا أعظم الأمثلة فى التفانى والعطاء. وحينما قررت إلقاء كلمة فى هذا المقام وجدت القلم حائراً فى يدى والأفكار تتزاحم فى خلدى والكلمات تتسابق والعبارات يدفع بعضها بعضاً حينما علمت أنها ستقال فى حق التاريخ وأدركت أنها تصف قطباً من أقطاب علمائنا وعملاقاً ضرب أروع الأمثلة فى الإخلاص والتفانى فى سبيل تحقيق الأحلام وكتب بحروف من نور اسم المنصورة وجامعتها فى ذكرى التاريخ على مر الأيام والأزمان، فلا يوجد حجر منذ ذلك التاريخ داخل القطاع الطبى إلا وله فضل فيه بشكل مباشر أو غير مباشر.

أراد الله الخير بنا فأرسلته رياح القدر إلينا فى المنصورة، وعمل كمعيد شاب فى جامعة صغيرة، أدرك حجم المسئولية مبكراً وجعل من قسم ( 4 ) فى مستشفى الجامعة واحةً متميزةً لسلامة الأداء وقسماً يشار إليه بالبنان لتميز علمه ووفرة العطاء، لم تكن هناك إمكانات ولا كبير معلم يعطى الإرشادات ولا شبكة للمعلومات ولكن مرضى الفقراء .. قلم وبعض الأوراق .. قسم متهالك تكثر فيه المعاناة والبكاء .. صعوبة فى الحصول على أبسط الأشياء .. ومعه قليل من شباب الأطباء، وأصبح المرور على المرضى محاضرة علمية على أحدث ما وصل إليه العلم وتحولت الأوراق المبعثرة هنا وهناك إلى أرشيف مرتب ذو إحصائيات ونتائج تصلح للتقييم والتحليل، وأرسى القواعد العلمية للقراءة والبحث والتدوين ووضع مبدأ متفرداً آنذاك وهو : ما لم يكتب لا يصدق ..

فأصبح الطبيب يمسك بالمشرط والقسطرة فى يد والقلم يدون فى يده الأخرى وكان لى الشرف أن أرافقه فى رحلة كفاحه أكثر من ثلاثين عاماً فرأيت عن قرب إنساناً كان الإصرار صفته والعلم مأربه والثقة علامته والتضحية سمته والصبر طريقه والبحث والابتكار ميزته والقراءة سجيته وحب المرضى فطرته وتعليم تلاميذه هوايته والانضباط سياجه .. كل ذلك وهو ابن الثلاثين من العمر وللآن فلم تغريه النجاحات المتتالية والجوائز اللامحدودة .

كل ذلك لم يروِ ظمأه ولم يشبع رغبته، كان الحلم الأسمى هو علاج مجموعتين من المرضى كان يعز علاجهم فى ذلك الزمان وهما مرضى الفشل الكلوى وسرطان المثانة.

ضيوفنا الكرام …

فارسنا اليوم لم يعرف المستحيل … وكان إصراره وعناده ينبعث من آلام المرضى وبكاء العليل ولم يكن معه إلا القليل، وبالإصرار والصبر تم شراء أول جهاز ترشيح كلوى صناعى فى عام 1970 بمساعدة المحافظة، وبدأ طريق الأحلام ينكشف وضباب ضعف الإمكانات ينقشع، إلى أن قمنا بزراعة أول كُلية من الإنسان إلى الإنسان فى عام 1976 وكان ذلك اليوم هو بداية الانطلاق، وكنت أحد المعاونين له فى كل حين، ولعلكم تحسون قدر المعاناة التى عاناها هذا الفريق الطبى الشاب حينما يقدمون على عمل كبير مثل ذلك إذا ما قدر له الفشل ليموت قبل أن يولد، ماذا سيكون الأمر بعد ذلك؟!.. وتلاحقت الأنفاس .. واقشعرت الجلود .. وضاقت الصدور.. وخفقت القلوب.. حتى كتب الله لنا نجاح أول عملية لنقل الكلى، وكان ذلك فتحاً عظيماً بتوفيق الله وعنايته، وأدركنا عندئذ أن لكل مجتهد نصيب .

ثم دارت عجلة الزمان .. وطار الخبر هنا وهناك .. ما هذا الذى يحدث فى المنصورة هل من مصدق ؟! يقوم فريق المنصورة الطبى بزراعة الكلى؟! .. نعم، مما حدا بنا أن نطوف جامعات مصر فى ذلك الوقت لزراعة الكلى فى القاهرة وعين شمس والإسكندرية، وإلى اليوم وفى الشهر الماضى قام فريق من الشباب : تحت السن مكون من مدرس ومدرس مساعد بزراعة الكلى فى مستشفى مصطفى كامل بالإسكندرية .

وبدأت القصة .. وانتقلت فكرة الحلم العظيم إلى حيز التنفيذ، وحصل الدكتور / محمد غنيم، على احترام الرؤساء ومن ثم كانت البداية فى الإنشاء لإقامة هذا الصرح العظيم وتحقيق الحلم الكبير وبعد أن كان حلماً فخاطراً فاحتمالات فى الستينيات، أضحى حقيقة لا خيال فى السبعينات.

ولا أخفيكم سراً كم من الجهد والعرق والصبر أخذ هذا المشروع العملاق منذ الفكرة .. مروراً بالتمويل .. والتخطيط والتنفيذ والبناء، وكم عانى هذا الرجل ومعه فريقه، سهرَ وصبرَ دون تعب أو كلل وبلا كلام ولا شعارات حتى تم له البناء، واستقامت له الأشياء، وربى حوله الكثير من الأطباء حتى أصبحوا من العلماء الأجلاء .. وأصبح مركز الكلى كعبةً فى مجال جراحة الكلى والمسالك البولية يحج إليها الأطباء .. وينهل من علمها الزملاء .. ويتفاخر بزيارتها العلماء

السيدات والسادة:

ولعلكم تعرفون أن مركز الكلى يقوم بتدريب وتعليم العديد من الأطباء من مشارق الأرض ومغاربها وبشكل منتظم حيث يفد إلينا أكثر من ثلاثين طبيباً سنوياً للتعليم والتدريب على أنواع الجراحة وفنونها ومختلف المهارات الطبية وأصولها .. والأجمل أن يكون مركز الكلى ضمن البرامج السياحية فبالأمس القريب قد زارنا وفد سويدى من 25 أستاذ وطبيب لمدة 3 أيام للوقوف على ما وصلنا إليه من علم ثم الذهاب إلى الأقصر 3 أيام، وللعلم هذا ثالث وفد يزورنا بهذا الحجم، وبالطبع لم ينسوا كباب المنصورة والإقامة بفنادقها وأصبح اسم المنصورة ضمن السياحة العلمية والعلاجية .

هذا الرجل الذى نحن بصدد تكريمه اليوم أنكر ذاته فأعطاه الله علماً بلا حدود وانفتحت له القلوب بلا قيود فهو دائماً صريح لا يحب المراوغة .. لم يقف طيلة عمره فى طريق نجاح إنسان ولا يهوى الضرب تحت الحزام، حتى وإن ظهرت بعض الغيوم فلا تلبث أن تنقشع ولا تدوم . ويبقى الحب الدائم الصدوق الذى يعطى لكل الناس ما لهم من حقوق، فأساس العلاقة للجميع داخل المعهد صغيرهم وكبيرهم هى العمل والعطاء وليس المزايدة والرياء .

زملائى الأعزاء ..

كان الحصاد وكانت الثمار، استحداث مدرسة علمية يستعان بها فى الأوساط الطبية والعلمية والبحثية فى أنحاء العالم، تخريج العديد من الكوادر البشرية من الأطباء الذين رفعوا اسم المنصورة عالياً فى كل مكان، فمنهم من استدعى لغرض تعليم الأطباء فى أوربا ومنهم المخترع والباحث والعالم . ولعلكم تعلمون أنه فى العام الماضى قد حصد أطباء مركز الكلى تحت رئاسته عدد من الجوائز المحلية والعالمية ما يفوق ما حصده أطباء جامعات عتيقة بأكملها .

ولعلكم تشاركونى القول، بعد أن دارت عجلة الزمان ومرت الأيام، أن قيمة الإنسان لا تأتى من قوة القلم أو ثقل الكرسى الذى يجلس عليه، فذلك زائل لا محالة ولكن تأتى من آثاره الخالدة بما علم وبما قدم وبما استن من سنة حسنة التى له جزاؤها وجزاء من عمل بها إلى يوم الدين .

وإنى أدعو المولى سبحانه أن يجزيه خير الجزاء على ما قدم من خير وعطاء فى سبيل البلاد والعباد .

حضرات السادة:

أود أن أطمئن الجميع أن المسيرة مستمرة شامخة كما قدر لها لأن البناء كامل متكامل عتاداً ورجالاً والكل يعمل كفريق واحد يكمل بعضه الآخر، فلدينا فرق متخصصة فى جراحة الأطفال وأورام المسالك وزراعة الكلى والمناظير الجراحية والأشعة التداخلية للوصول إلى قمة التميز، وفى كل تخصص أجيال متدرجة ليستمر العطاء إن شاء الله بدون عثرات وهذه هى عظمة التخطيط وقوة البناء .

فاليوم لا نقول له وداعاً : وإنما أقول له هنيئاً بما قدمت وتحية لما أنجزت وتقديراً لما علمت وثواباً من عند الله، والله عنده حسن الثواب …

" فأما الزّبَدُ فيذهب جُفاءاً وأمّا ما ينفع الناس فيمكث فى الأرض "

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته